الرواية وإنتاج المعرفة في رواية / الحيوان وأنا
محمد معتصم
الرواية وإنتاج المعرفة
/image%2F0940860%2F20240720%2Fob_651222_20240703-100611.jpg)
تُعَدُّ الرواية بضمير المتكلم، صيغة خطابية الهدف منها الجمع بين مميزات الخطاب الروائي والخطاب السير ذاتي، وأهمها عقد ميثاق قوي بين الكاتب السارد والشخصية والقارئ الباحث عن المعنى والهدف والغاية ووظائف الأدب الاجتماعية والثقافية والمعرفية، استنادًا على الصدق في رواية الأحداث وتقريب المساحة القائمة زمنيا أو معرفيا وجغرافيا بين الكاتب والقارئ من خلال الواقع الاجتماعي والسياسي والمتخيل الثقافي المعيش والمشترك. لذلك تقتضي الرواية بضمير المتكلم تَشَارُك الكاتب الموضوعي (الواقعي الحقيقي) مع الساردِ (اللغوي) في رسم الشخصية الروائية، بحيث تصبحُ مَعْنِيَّةً بالأحداث والوقائع المتخيلة أو المستدعاة من الواقع أو الذاكرة وبروايتها في الوقت ذاته، مما يجعل السرد ذاتيا، أو رواية الوقائع والمحكيات والمتون المتضَمَّنَة في علاقة وشيجة بالكاتب الموضوعي والسارد والشخصية الرئيسية في المتن الروائي، وهو افتراض تفترضه اللغة السردية، وخير ما يمثِّلُه ضمير المتكلم (أنا)، ما جاءتْ عليه الجمل الافتتاحية- مدخل- في رواية "الحيوان وأنا" للكاتب العراقي أمجد توفيق صاحب العديد من الروايات والقصص القصيرة، حين يقول: "لا أستطيعُ [- أنا] أن أنكرَ [- أنا] أن الفكرة التي تتحدث عن العمر وتختصره بمدى إحساس الشخص به ، لاقت تعاطفا من قبلي [+ ياء المتكلم]، [+ أنا] الرجل الذي يصارع العقد السابع من عمره ، و[+ أنا] الأرمل الذي فقد شريكة حياته قبل ثالث سنوات، و[+ أنا] من ترك بيته في المدينة ولجأ إلى مزرعة ، حيث أعيش [- أنا] حياتي [+ ياء المتكلم] بهدوء وتأمل". يظهر جليا وعي الكاتب بصيغة الخطاب الذي سينضِمُ داخله المحكيات السردية الوظيفية التي تقوم بتوسيع المعنى أو السردية الخطابية التي تقوم بتركيب السرد ومضاعفته موظفا تكرار الضمير المنفصل والمتصل [+] للمتكلم والضمير المستتر والمضمر [-]. تلك المحكيات السردية لن تكون لها قائمة إلا باختراقها لقانون السكون وقانون الثبات المتمثلين في حياة "الهدوء والتأمل"، وهي غاية السارد وتلك لحظة تحققها وذِرْوَةُ مبتغاه. ومن المحكيات الوظيفية ما يدعم القضية الأساسية التي يقوم عليها الخطاب الروائي؛ "نشدان العزلة والابتعاد عن الإنسان المنافق الحاقد الحاسد، وعن الواقع المتردي الذي آلت إليه البلاد بعد الاحتلال الأمريكي للعراق"، ومنها كذلك "سعي شخصية دانيال علي موسى نحو الانسلاخ عن الإنسان وقشرة "الثقافة" التي غلفت جوهره البسيط والأصيل"، وكأن الرواية تطرح سؤالا وجوديا عميقا على الذات ومحيطها وعلى المرحلة تاريخيا وسياسيا: ما طريق العودة إلى نبع النهر؟ هل يمكن العثور على وسيلة سحرية يُصهر فيها الكائن الذي أنتجته حرب الخليج الثانية والاحتلال الأمريكي حتى يتخلص من الشوائب العالقة به؟ ليس هذا، سؤالا محليا في اعتقادي الجازم، إنه سؤال وجود أمة تعرضت لاختراقات كثيرة واجتياح مدمر للهوية والكينونة عبر تاريخ مديد من التفريق والعنف وتشويه الجوهر وتهميشه، من ثمة يأتي خوف السارد الشخصية دانيال علي موسى- والتركيب في الاسم العلم يحمل أكثر من تأويل- من الهجرة الطوعية أو التهجير القسري الذي يخرب الذاكرة ويجلي المكان من أهله لتشكيل ذاكرة هجينة محتملة، أو توسيع دائرة الدياسبورا العربية الجديدة التي استدعى للتعبير عنها بالاتي:" أنا عراقي في بغداد، صديقتي سويسرية، وأخي بريطاني، وعمي فرنسي، وابنه أمريكي، وخالتي هولندية، وزوجها فنلندي، وجارنا الذي كان يكرهني أسترالي، وعشيقتي السابقة كندية..." أنه قمة التراجيديا في صميم الرؤية الفجائعية والسخرية القدرية السوداء التي فاقت الشعور بالعراء تحت السماء العارية كما قال باسكال، إنها عزلة الفرد في المكان وغربة الكائن في الوجود، فحقَّ للكاتب أن يسخر، أن يعد الحيوان أسمى، في هذه اللحظة الوجودية- من الإنسان، وإنها لرواية تنتج المعرفة من خلال الصيغ الخطابية والوظيفية للأدب عامة والسرد خاصة. ومن المحكيات التركيبية والمضاعفة المحكيات التي تؤكد على عزلة دانيال علي موسى في مزرعته مع حيواناته الأليفة (الحصان ظلام والكلب ليل والقطط والدجاجات والأشجار والشجيرات) التي توسَّعُ سرديا بحضور (موج) فترة من الزمن- ابنة صديقه أبو رامي، وهو حضور يضيف إلى المحكيات المتكررة نفحة جديدة فتصبح جولة ونزهة دانيال مع ظلام وليل مختلفة بحضور شخصية جديدة محببة لها طباعها وتأثيرها الأنثوي والحيوي والشاب، والشيء ذاته يقال عن حضور شخصية (ذكرى) للمزرعة حيث ستُحدث ثورة فيها وتمنحها وتمنح دانيال الضابط السبعيني الأرمل المتقاعد رواءً ومسحة أنثوية لا تتعارض مع رغبته في اعتزال صخب المدينة وضجيج الأحياء. إذن، فحضور الشخصيتين (موج) الهاربة المتخفية من تهديد عصابة من المجرمين الذين يبتزون الناس في ظل الانفلات الأمني وضياع وضعف الدولة تحت ظلِّ ونَيْرِ الاحتلال الأمريكي الغاصب، وتكمن المضاعفة في إعادة الحديث عن المزرعة موطن عزلة دانيال علي موسى مع حيواناته، لكنها تُوَسِّع المحكيَّ بطرح قضية جوهرية متحكمة في الفعل السردي وفي تشكيل المتخيل الروائي والمعرفة المتصلة بهما، وهي احتلال العراق وتشريد أهله في مختلف بقاع العالم، وحضور شخصية (ذكرى) التي تستدعي دلاليا إيقاظ همة الضابط المتقاعد السبعينيِّ الأرمل، الذي يرى في معاشرة الأرملة ذكرى تعزيزا لصورة الإنسان في جوهره (الحيوان) الذي يستجيب لنداء الطبيعة (الأصل والفطرة والغريزة) دون قيد الإنجاب أو الزواج والمسؤوليات المصاحبة لهذه العلاقات اجتماعيا وماديا وعقائديا وثقافيا.
لا تقف الرواية بضمير المتكلم عند حد (ضمير المتكلم: أنا)، بل تسعى إلى تقليص المساحة الفاصلة بين السارد الشخصية والكاتب الموضوعي (الواقعي) وبين القارئ عبر تقنيتي الإسقاط والتماهي، وهما مفهومان مأخوذان من حقل التحليل النفسي وعلم النفس، وفي ذلك اقتراب من معنى "الصدق" الأدبي في رواية ونقل الأحداث، والواضح أن رواية "الحيوان وأنا" تبحث عن الصدق الذي بات خِصْلَةً نبيلةً يفتقد إليها الإنسان المعاصر بعد حرب الخليج الثانية، التي لم تدمر بلدا عريقا حضاريا وعميقَ الجذورِ في التاريخ، بل دمرت ثقافة وشردت شعبا وسرقتِ الطمأنينة من الإنسان كما أيقظت داخله صفات الخنوع والخذلان والخداع والخيانة، وتلك الصفات تروم وصف الواقع من خلال حالات الناس الطارئة، خاصة معنى الممارسة السياسية وتسييس الفكر والدين والثقافة واللجوء إلى الخصوصيات المميزة عرقيا وعقائديا لتبرير العنف وتأجيج نار الحقد والغيرة والغل، أي اللجوء إلى أسباب التفرقة والتخلي عن دواعي التآلف والقيم العليا الموحدة لمتفرقات الجماعات والأفراد، أي دعامات بناء الدولة الوطنية، وهو ما يدل على التحول والانفلات الأمني اللذين كانا سببا في القضية السردية: اعتزال دانيال الناس والمجتمع في مزرعته، كي لا يلتبس الأمر مع رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوانات" ذات البعد الأطروحي- الأيديولوجي، وإن كانت رواية أمجد توفيق تدين المعنى الجديد للسياسة والممارسة السياسية في فترة الاحتلال الأمريكي للعراق وما تلاه من غلبة المصالح الشخصية والجماعية (المجموعات) على حساب الدولة الوطنية والإصلاح من أجل البناء والعودة إلى حظيرة الدولة المدنية والسيادة من جديد، ليرتبط العراق الحديث بالعراق العريق، وتلتحم حضاريا الثقافة الحديثة بالثقافة الضاربة بجذورها في عمق وصميم تاريخ الإنسانية، في ذلك إدانة للحرب والحروب جميعها، لأنها تتنافى والقيم العليا والمثلى لوجود الإنسان، ولمعنى الثقافة والحضارة (العمران)، وأجمل الصور التي أبرز فيها الكاتب أمجد توفيق هذه الظاهرة والحالة الإنسانية، وصف لقائه في إحدى مقاهي لندن بجندي إيراني وحد بينهما شعور "لا جدوى" الحرب، حرب الخليج الأولى عندما استسلما وغيرهما للإرهاق وأعياهما عبث وجودهما في مكان قفر، واكتشافهما أن الحرب التي يخوضانها لا تعنيهما شخصيا، كما أن وضعيتهما تلك، دليل على أن لا أحد يهتم بهما أو يعرف بوجودهما. يقول السارد:" كان يوما ينتمي إلى الجحيم، وينتمي إلى إنكار مطلق لقيمة الإنسان ..
التعب والإعياء والجوع فعلوا فعلهم فكانت البنادق تتساقط من الأيدي والأكتاف، فالجميع يعيشون حالة من قهر جعلتهم يفقدون مرة واحدة أي إحساس بالتفرقة بين الصديق والعدو بين من يحارب معهم أو ضدهم..
هكذا وجدت نفسي إلى جانب مقاتل إيراني رمى بندقيته وسار إلى جانبي، وبعد خطوات أنزلت بندقيتي من كتفي، ولم أبـذل أي جهــد لاسترجاعها، تركتها تسقط فقد كان الإعياء أكبر من قدرتي على اتخاذ أي قرار..
لا أظن أن حديثا جرى بيننا، ولا أذكر إن كنا قد ذكرنا أسماءنا، كل ما أتذكره أننا كنا نمشي جنبا إلى جنب في أرض محترقة نبحث عن ماء وملاذ ونهاية.
بعدها وجدنا أنفسنا ساقطين على الأرض في حالة إغماء أو نوم..
حين أتذكر تلك الأيام ، تقفز إلى ذهني فكرة أن أعظم إهانة واجهها السلاح يوما تتمثل في مسيرة شارك فيها مقاتلون من جيشين متحاربين في أرض تشكل قعر واد امتلأ بأصناف مختلفة من الأسلحة دون أن يرفع أحدهم سلاحا بوجه من يسير معه ، أو فكر لحظة بقتله أو أسره أو محض إيذائه." ص (87-88)
تندرجُ مثل هذه المحكيات السردية الصغرى ضمن المحكيات التركيبية التي تقوم بتوسيع بنية السرد، ولكنها في الوقت ذاته من المحكيات الوظيفية، والتمييز يقف عند التمييز بين الخطاب الروائي والمتن الروائي، فالمحكيات التركيبية تقع على المستوى الخطابي، الذي يمكن تبسيطه في إدراجه ضمن المستوى الأسلوبي الخارج نصي، أما المحكيات الوظيفية فترتبط بمستوى المعارف والأفكار، لذلك فهذه الفقرات التي أوردتها تبرز فكرة معاداة الحرب، التي تقع بين بني البشر تحت أغطية إديولوجية أو مصالح ضيقة مالية أو لإهانة الشعوب لا الحروب التي تقع دفاعا عن الحقوق، وتبرز أيضا أن حرب الخليج الأولى خطأ فادحٌ في حق الإنسان في الكرامة والحرية والسكينة، فيجيب دانيال صديقه الذي جعلت الحرب منه عدوا عنوة عن سؤاله "ما الذي بقي يا صاحبي؟" من الحرب والمكابدة والمعاناة والعداء:" لا شيء غير الإخفاق والعجز ، فما زلنا ، وما زال الإنسان بعيدا عن فهم حكمة وجوده في هذا العالم .." ص (91)
ليست رواية "الحيوان وأنا" خطابا فكريا أو نقديا وسياسيا، وإن كانت تنتج "معرفة سردية" تدين جل الخطابات المهادنة البائسة التي تسعى نحو القضاء نهائيا عن آخر معاقل وجود الإنسان، ومقاومته وروح الإبداع فيه والشعلة المتوقدة من عقله وأعلى منارات تاريخه المضيئة، ليستسلم للتفاهة ويعلن موته بعدما اطردت الميتات: موت الإنسان (البنيوية) وموت [نهاية] التاريخ (فوكو ياما) وموت المؤلف وموت الأدب، وموت الرواية [السرد] (جنيت)، وموت الشعر مع اللانص واللاقصيدة، وكلها نهايات تقود نحو نزع شوكة الصراع والمقاومة والدفاع عن الحق في الوجود والبقاء، إنها رواية جميلة مكثفة "مضغوطة"، كأنها كتبت دفعة واحدة كطلقة احتجاج على هذه المآل والنهايات، التي تلي عصر الكارثة ونظريات الموت التي تبشر بها الأفلام الأمريكية المتشائمة التي تبشر بالزوال وتبث السموم في النفوس بعد "القيامة الآن" [Apocalypse now] هيمنت على المتخيل الغربي "نظرية الكارثة" [Théorie chaotique]. رواية "الحيوان وأنا رواية من حوالي مائتي صفحة كأنها صرخة من أجل الإنسان والأدب والحياة والكرامة ونبذ الحروب وكل أسباب التدمير والانهيار، رواية مضغوطة كتبها صاحبها دون فصول مجزأة، لكنها مليئة بالمحكيات السردية، يشد أولها بآخر سابقه، كما يقبض الرأس بذيل الأفعى، في سلسلة لا اهتزاز فيه، في تضافر عجيب لا تشعر فيه القارئ بالتنقل بين المحكيات: محكي دانيال علي موسى، محكي أبي رامي، ومحكي موج ونبيل، ومحكي ذكرى وأخيها وزوجته، ومحكي دانيال وذكرى، محكي ظلام، محكي ليل، محكي (علي) وصديقه (باصي)، ومحكي الأصدقاء الحمير، ومحكي دانيال والسجين الهارب...حيوات تعيش وتروى داخل هذا المتن المركب، لكنها تبدو محكيا واحدا، ينبع من منبع واحد هو ضمير المتكلم العائد على الشخصية الرئيسية دانيال علي موسى (الاسم العلم يجمع بين الثالوث المتصارع على السيادة والريادة والسلطة في قيادة الشأن العقائدي، الصراع الذي نتجت عنه أغلب الحروب وتتخفى وراءه كل المصائب والكوارث الإنسانية والحضارية)، وهذا الذي يحدد معنى "الرواية بضمير المتكلم" كما اشتغلت عليه هنا الآن، حيث يروي السارد حياته بضمير المتكلم، ولكن ليس بالرجوع إلى الماضي (ماضي السارد الشخصية)، ولا يسعى إلى تعليم القراء تجربته الناجحة في الحياة، أو التأثير فيهم لإقناعهم بفكرة أو موقف أو عقيدة،،، بل يروي السارد بضمير المتكلم أثناء مراحل تطور المتن السردي، أي داخل المتخيل السردي الممتد على مساحة مائتي صفحة.
إنها رواية أنتجها عقل منخرط بوعي في الحاضر والواقع، من أجل بناء مستقبل واضح ومضيء للإنسان الحر ذي الكرامة والفاعل الحيوي في إنتاج المعرفة والأدب والسرد التاريخ.