الذات والهوية في الرواية العربية: مدخل
محمد معتصم
/image%2F0940860%2F20240811%2Fob_fb43cb_scan0002.jpg)
1/
من الملفت للانتباه في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم ومطلع الألفية الثالثة تصدر المرأة (مجددا) سلم الاهتمام على مستويات حقوقية وسياسية وأدبية. والمهم في المرحلة الجديدة، والنهضة المتوثبة للمرأة المعاصرة قيامها بالأدوار المنوطة بها بنفسها. ولهذا في نظرنا الكثير من الأهمية. وإذا كان للميدان الحقوقي والمجال السياسي نساءه ورجاله، فإنني سأركز على المجال الإبداعي الروائي.
في الكتاب "المرأة والسرد" وكذلك في الحوارات الأدبية التي أجريتها مع العديد من الكتاب من الجنسين، تبين لي أن الكتابة عن المرأة والحوار مع المرأة الأديبة ثري ومعقد في آن، تتداخل فيه أمور كثير تبدو للوهلة الأولى غير متجانسة. وكأن المرأة لا تعي جيدا الهدف من الكتابة والسبيل السليمة لتحقيق الذات بتركيزها على العمل الحقوقي والحزبي... إلا أن النظرة المتأملة والمتعمقة تجلي الحقيقة التالية:
- إن المرأة الكاتبة تنطلق في كتابتها من قضية مركزية ذاتية أولا، ويمكن نعتها بالشخصية. كالهموم الصغيرة المرتبطة بالحاجيات الضرورية في الحياة.
- إن المرأة الكاتبة لا تكتب بدون قصد أو هدف. ومن أهم مقاصدها في الكتابة مُساءَلَةِ الذات ليس في عزلتها هذه المرة بل في أتون الحياة. إن السؤال الذي تطرحه هذه المرة مرتبط "بالجنس" النسائي: ما حقيقته ؟ هل هو فعلا مختلف ؟ وما درجة اختلافه عن الرجل ؟ هل يمكن أن تكون المرأة في الحقيقة أو في التصورات والتقاليد والخطابات المتوارثة كائنا آخر، بعيدا عن القيمة الاختلافات العضوية ؟
- إن المرأة الكاتبة تسائل الوجود من موقع المتهم حينا، وهو يدافع عن نفسه. تقول المرأة هذه الطبيعة التي جبلت عليها ولا دخل لي في تغييرها خلقيا لكن يمكن تغييرها أدبيا، وفكريا، وسلوكيا. يمكنني أن أكون "أنا" دون الشعور بالخجل الذي فرضته علي الصيرورة التاريخية، وحمولة الموروث الثقافي.
- إن المرأة تسائل الوجود من موقع آخر؛ موقع المهاجم. فَتُحَمِّلُ المرأة المجتمعات الذكورية المسؤولية في تأخر المرأة وبالتالي تأخر المجتمعات العربية.
- إن المرأة الأديبة تحفر في فكرة الاختلاف على مستوى الإنجاز الأدبي، في الموضوعات الأدبية وأغراضها...وفي طرائق السرد، وفي بناء الخطابات والتعبير الفني وأدبي.
2/
الكتابة عن المنجز الأدبي للمرأة، والإنصات إليها وإلى القضايا المطروقة في أعمالها يبين عن عمق ورهافة حس واختلاف في الكتابة وفي تناول القضايا، سواء أ كانت قضايا عامة أو قضايا خاصة.
ومن الأسئلة العميقة ذات البعد الفلسفي التي تتواتر على الكتابة عند المرأة، سؤال الذات وسؤال الهوية.
تكاد تكون الكتابة عند المرأة العربية المعاصرة مختزلة في هذه المسألة المتعددة الأبعاد والمختلفة الأوجه. وهي بحدة أقل لدى الكاتبات الغربيات، وقد قطعن أشواطا على مستوى التطبيق والإنجاز الفعلي داخل مؤسسات لمجتمع المدني والحكومات المسؤولة.
وإذا اقترحت عليكم التأمل في روايات حديثة الصدور، وهي على التوالي:
- رواية "حجر على حجر"1 للكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم.
- ورواية "صورة وأيقونة وعهد قديم"2 للكاتبة المتميزة من فلسطين سحر خليفة.
- وروايتا "بنت الخان"3 و" ما بعد الحب"4 للكاتبة العراقية هدية حسين.
ستجدون سؤال الهوية صارخا ويعد على مستوى التحليل النصي "المهيمنة" التي تتحكم في نسيج النص. فالكاتبات يسائلن الذات وهي تتأرجح في فضاء وجود هلامي تلفه الضبابية. ليست المرأة هنا التي تعاني من الشعور بالنقص وبالدونية، بل الإنسان، رجلا وامرأة، يشعر بالعراء وبلا حماية. يشعر الإنسان العربي بالتلاشي وببخس القيمة. حتى أن الإرادة تصبح غير ذات أهمية لأنها تفقد إرادتها.
إن سؤال الذات وسؤال الهوية يطرحان في تلازم وفي وحدة. ومن المسوغات التي تسمح بتلازمهما وبطرحهما اليوم الحالة الصعبة التي تمر بها البلاد العربية. فسحر خليفة تكتب عن القضية الفلسطينية وعن وضعية المرأة العربية الفلسطينية في ظل الاستيطان، لكن ما يعطي السؤال الوجودي قلقه الحقيقي الوضعية الجديدة التي تقع فيما بين حالتين واضحتين: حالة الاستيطان الإسرائيلي، والمقاومة المشروعة. وحالة المابين المؤدية إلى الأزمة النفسية والفكرية والسياسية والاجتماعية، هي حالة الدولة الفلسطينية التي تتناولها الخطابات السياسية وكأنها قضية منتهية. بينما على أرض الواقع الوطن منتهك والحقوق مهضومة. ثم الأخطر الذي تركز عليه رواية (روايات) سحر خليفة تسرب فكر الانتهاز في صفوف صيارفة الحرب والأزمات.
طبعا لا تقول سحر خليفة ذلك وكأنها تكتب مقالا سياسية أو دراسة اجتماعية بل تكتبه روائيا، محافظة على النهج الذي ارتأته أول مرة. ففي روايتها الجديدة تعالج قضية الهوية والسؤال الوجودي المقلق من خلال مساءلة الحاضر. وطرح السؤال على أرض الواقع. هل "مشيل" نتاج الماضي. أي هل حالة الخنوع والمسكنة والدروشة التي اختارها مشيل كنهج في الحياة ناتجة عن أغلاط الماضي، وتهاون الآباء وعدم تقديرهم التقدير السليم للزمن ودورة التاريخ. أم أن مشيل نتاج الواقع الذي لا يتأثر ولا يتغير. واقع الأهالي والقرويين الذين يفضلون الاستكانة إلى الشعوذة والتسليم بالمصير المحتوم ؟
أما السؤال الذاتي فلا يقل إحراجا ولا احتجاجا عن سؤال الهوية، فالسؤال عن الحب، سؤال ذاتي. لكنه في الأزمات وفي الكتابة الروائية يصبح جوهريا، وتتعدد أبعاده. فلماذا رفضت "مريم" العودة مع "إبراهيم" إلى الأسرة، وبالتالي حماية (مشيل) الابن من الضلال، وحماية القرويين من خداعه والتأثير السالب الذي يمارسه عليهم ؟ هل لأن (إبراهيم) تخلى عنها خوفا من القتل والثأر ؟ أم لأنه مسلم وهي مسيحية ؟ هل الانتماء الديني أقوى من الانتماء الوطني والقومي والأواصر الاجتماعية ؟ إنه سؤال جوهري يحفر في الذات العربية، وشرائحها المتنوعة. إنه سؤال خالص يتحدد داخل سؤال التسامح الديني والتعايش العرقي، وهي الأزمة التي ترتج لها أركان الدولة العربية اليوم، وتُسْتَغَلُّ أبشع استغلال.
طرح مثل هذه الأسئلة يبرز بوضوح التلازم القائم بين سؤال الذات وسؤال الهوية عند سحر خليفة. وما اختيار مريم الدير وكذلك تغيير اسمها إلى "ماري أيوب" بدل "مريم أيوب" إلا تعبير عن أزمة حقيقية في الهوية وشرخ عميق في الذات.
3/
أما فوزية شويش السالم فإنها تبدأ من المنطلق الأول والإحساس المفجع بالفقدان، ومشارفة الهاوية. أي أن اجتياح القوات العراقية للكويت وضع الشخصية "موضي" أمام حقيقة مؤلمة حد التلاشي. كيف يصبح الإنسان بلا وطن فجأة ؟ كيف يفقد الإنسان أشياءه الصغيرة والخصوصية التي كانت إلى عهد قريب ملاذه ومستودع طمأنينته ؟ هكذا يقذف الإنسان في العراء بلا حماية وبلا سند وبلا غطاء. لا السماء تحميه ولا الأرض تحمله.
إن السؤال هنا مرتبط بالهوية في بعدها الوطني. أما الحديث عن الذات فإنه مندمج في ثنايا سؤال الهوية.يقول النص:"
" لا شيء ثابت الآن..
ولا شيء مطلق بعد ذلك حين يأتي الزلزال الأكبر..
يُمحى وطن من على الخارطة بلمح البصر.
وطن تعتقد بأنه موجود إلى يوم القيامة لا يخامرك أدنى شك بزواله..
وفجأة تصبح بلا وطن.
تدرك ساعتها كم هو غال هذا الوطن..
حقيقة لم نفكر بها من قبل لأنه تحصيل حاصل إن لك وطنا..
ولدت وهو موجود وستموت وهو موجود، لا شك في هذا الوجود.
لكن ماذا يعني أن تصبح فجأة مخليا من وجودك وممحيا من انتمائك، وعاريا فوق أرض لم تعد تعرفك.
يومها أدركت قيمة كل ما كان في حياتنا بلا قيمة
العلاقات الدافئة..الأسرة..الأقارب والأصدقاء..
المنزل الحميم..أشياؤنا الصغيرة..مكتبة..مخدة..فراش..
أشياء وأشياء...". 5
ملاحظة: جزء من كتابي "بنية الحكاية والشخصية..." وقد صدر الكتاب عام 2007م
1 حجر على حجر. فوزية شويش السالم. رواية. دار الكنوز الأدبية. ط1. 2003م
2 صورة وأيقونة وعهد قديم. سحر خليفة. رواية. دار الآداب. ط1. 2002م
3 بنت الخان. هدية حسين. رواية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط1. 2001م
4 ما بعد الحب. هدية حسين. رواية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط1. 2003م
5 حجر على حجر. سبق ذكره. ص (127.126 ).